محمد بن جعفر الكتاني
417
سلوة الأنفاس ومحادثة الأكياس بمن أقبر من العلماء والصلحاء بفاس
وفي فهرسة أبي زكرياء السراج بسنده إلى أبي مدين قال : « رأيت رب العزة في النوم ؛ فأوقفني بين يديه ، وجعل حسناتي عن يميني وسيئاتي عن شمالي ، وقال : ما هذا يا شعيب ؟ ! ، فقلت : يا رب ؛ هذا عطاؤك وهذا قضاؤك ؛ فعمّا سؤالك ؟ ! . قال : يا شعيب ؛ إن لكل شيء مرآة ، فما مرآة ربك ؟ . قال : فقلت قلب عبدك شعيب . قال : ادن ؛ طوبى لمن رآك ومن رأى من رآك » . ه . وعن سيدي أبي العباس المرسي قال : « جلت في ملكوت اللّه تعالى ؛ فرأيت سيدي أبا مدين متعلقا بساق العرش ، وهو يومئذ أشقر أزرق ؛ فقلت له : ما علومك ؟ . وما مقامك ؟ . فقال : علومي أحد وسبعون علما ، وأما مقامي ؛ فرابع الخلفاء ، ورأس السبعة الأبدال . . . » . وفي " أنس الفقير " نقلا عن الشيخ محيي الدين بن عربي الحاتمي الطائي قال : « ولم يمت - يعني : الشيخ أبا مدين - حتى تقطب قبل أن يغرغر بثلاث ساعات » . ه . وسئل - رضي اللّه عنه - عما خصه اللّه به ؛ فقال : « مقامي العبودية ، وعلومي الألوهية ، وصفاتي مستمدة من الصفات الربانية ، ملأت علومه سري وجهري ، وأضاء بنوره بري وبحري » . رحل - رضي اللّه عنه - إلى المشرق ، وأخذ به عن غير واحد من الأكابر ؛ كالشيخ عبد القادر الجيلاني وغيره ، ورجع إلى المغرب وتبرك فيه بأبي يعزى وغيره . وقرأ بفاس بعد قدومه إليها من الأندلس على الشيخ الحافظ أبي الحسن ابن حرزهم ، وعلى الفقيه العلامة الحافظ أبي الحسن ابن غالب دفين القصر ، وأخذ التصوف عن غير واحد من المشايخ ؛ منهم : الشيخ الولي [ 365 ] الصالح أبو عبد اللّه محمد الدقاق السجلماسي ، ولبس منه الخرقة . وأبو عبد اللّه هذا هو دفين خارج باب الجيسة ، كما ذكره في " الجذوة " ، و " الروض " . . . وغيرهما . خلافا لما يتوهمه كثير من العامة من أنه بمسجد سيدي أبي مدين هذا ، ونشأ لهم هذا الوهم من كون الرخامة التي كانت عند رأسه بقبره ؛ زالت عن محلها لتخربه ، فأخذها بعض الناس وجعلها بحائط باب المسجد المذكور ، موالية للقوس الذي به قبر سيدي بو عزى التلمساني ، قاصدا بذلك حفظها هناك فوقع للناس بها من الوهم ما وقع . ولما خرج الشيخ أبو مدين من فاس ؛ استوطن بجاية ، وكان يقول : « إنها معينة على طلب الحلال » ، ولم يزل بها إلى أن بعث إليه يعقوب المنصور في القدوم عليه ، فسار إليه ؛ فلما بلغ حوز تلمسان وبدت له رابطة العبّاد ؛ مرض هناك مرض موته ، فلما بلغ وادي يسر ؛ اشتد به المرض . ونزلوا به هناك ، فكان آخر كلامه : « اللّه الحق » . وتوفي على الصحيح سنة أربع وتسعين وخمسمائة عن نحو خمس وثمانين سنة ، فحمل إلى جبل العبّاد خارج تلمسان مدفن الأولياء والأوتاد ، ودفن هناك .